القرطبي

116

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

اقتحم العقبة ، يقول : هلّا أنفق ماله في فك الرقاب ، وإطعام السغبان ليجاوز به العقبة ، فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي ؟ وقيل : معنى الكلام ، التمثيل والتشبيه ، فشبّه عظم الذنوب وثقلها بعقبة ، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة ، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله ، فإذا أزالها بالأعمال الصالحة والتوبة الخالصة ، كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها ويجوزها . قلت : هذا حديث حسن . قال الحسن : هي واللّه عقبة شديدة ، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان . وأنشد بعضهم . إني بليت بأربع يرمينني * بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا إبليس والدنيا ونفسي والهوى * من أين أرجو بينهن فكاكا يا ربّ ساعدني بعفو إنني * أصبحت لا أرجو لهن سواكا وأنشد غيره أيضا في معنى ذلك : إني بليت بأربع يرمينني * بالنّبل عن قوس لها توتير إبليس والدنيا ونفسي والهوى * يا ربّ أنت على الخلاص قدير وقال آخر : إني بليت بأربع ما سلطوا * إلا لعظم بليتي وشقائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى * كيف الخلاص وكلهم أعدائي قال المؤلف - رحمه اللّه - : قال : فمن أطاع مولاه وجاهد نفسه وهواه ، وخالف شيطانه ودنياه ، كانت الجنة نزله ومأواه ، ومن تمادى في غيه وطغيانه وأرخى في الدنيا زمام عصيانه ، ووافق نفسه وهواه في مناه ولذاته وأطاع شيطانه في جميع شهواته كانت النار أولى به ، قال اللّه تعالى : فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 37 - 41 ] . ومعنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [ البلد : 11 ] : أي : لم يقتحم العقبة ، وهذا خبر ، أي : أنه لم يفعل ، والعرب تقول : لا فعل بمعنى لم يفعل . قال زهير : وكان طوى كشحا عل مستكنّة * فلا هو أبداها ولم يتقدم أي : فلم يبدها .